ابن كثير

454

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يعني إذا أدجن وانعقد فيه الحب ، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة : [ الطويل ] وقولا له من ينبت الحب في الثّرى * فيصبح منه البقل يهتزّ رابيا « 1 » ويخرج منه حبه في رؤوسه * ففي ذاك آيات لمن كان واعيا وقوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس والجن تكذبان ؟ قاله مجاهد وغير واحد ، ويدل عليه السياق بعده ، أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها ، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به : اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب ، فلك الحمد . وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها ، قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 14 إلى 25 ] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 ) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) يذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار ، وخلقه الجان من مارج من نار ، وهو طرف لهبها ، قاله الضحاك عن ابن عباس ، وبه يقول عكرمة ومجاهد والحسن وابن زيد ، وقال العوفي عن ابن عباس : مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ من لهب النار من أحسنها ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ من خالص النار ، وكذلك قال عكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ، قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم » « 4 » ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد ، كلاهما عن عبد الرزاق به .

--> ( 1 ) البيتان في سيرة ابن هشام 1 / 228 . ( 2 ) المسند 6 / 349 . ( 3 ) المسند 6 / 168 . ( 4 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 60 .